قبل الخوض في تفاصيل علاقة النظام الإيراني بتنظيمي “داعش” و”القاعدة”، لا بد من توضيح حقيقة بالغة الأهمية: داعش والقاعدة لا يُمثلون أهل السنة والجماعة، بل يُمثلون امتدادًا فكريًا وتاريخيًا لفرقة ضالة تُعرف بـ”الخوارج”.
الخوارج هم جماعة ظهرت في صدر الإسلام بعد معركة صفّين، وخرجت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكفّرته وكفّرت سائر الصحابة. اشتهروا بالتكفير وسفك الدماء، وكان شعارهم الزائف: “لا حكم إلا لله”.
ومنذ ذلك الحين، كان ضحاياهم الأوائل دائمًا من المسلمين السنّة، وليس غير المسلمين أو المشركين أو المحتلين، بل من أبناء الإسلام المعتدل. وقد وصفهم النبي محمد ﷺ بقوله:
“يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”.
في عصرنا الحديث، تبنّت جماعات مثل القاعدة وداعش هذا الفكر الخارجي المنحرف، فكفّروا المسلمين، واستباحوا دماءهم، ونفّذوا المجازر بحق الأبرياء – وجلّهم من السنّة – تحت راية كاذبة اسمها “الجهاد”.
وعليه، فإن وصف هذه التنظيمات بالخوارج هو التوصيف الدقيق شرعًا وتاريخًا، ولا يجوز نسبهم لأهل السنة الذين طالما كانوا ضحايا لفكرهم المنحرف وسيوفهم المسمومة.
إيران الصانع الحقيقي لداعش والقاعدة
بينما تدّعي طهران أنها رأس الحربة في “محاربة الإرهاب”، تكشف الوثائق والتقارير والتحليلات أن النظام الإيراني هو في الواقع أحد الرعاة الأساسيين للإرهاب العالمي، ليس فقط من خلال ميليشياته الشيعية، بل أيضًا عبر صلاته المشبوهة بالجماعات الخارجية المتطرفة وعلى رأسها داعش والقاعدة.
طبيعة العلاقة بين طهران والقاعدة
قد يتعجب البعض: كيف لنظام يزعم “محاربة الخوارج” أن يكون حليفًا للقاعدة؟ لكن تقارير عديدة تكشف الحقيقة المخزية: إيران لم تكتفِ بإيواء قيادات من تنظيم القاعدة على أراضيها، بل أقامت معهم علاقات استخباراتية وتكتيكية، واستغلّتهم كورقة ضغط ضد دول الخليج والولايات المتحدة.
في تقرير لصحيفة “العربية” (يناير 2018)، تم الكشف عن كيفية إعادة إيران بناء تنظيم القاعدة من بقايا داعش في سوريا، عبر شبكات تهريب ودعم مالي وعسكري، بإشراف الحرس الثوري و”فيلق القدس” بقيادة الإرهابي قاسم سليماني.
رغم أن إيران تعلن أنها خصم لداعش، فإن واقع المعارك وسير الأحداث يفضح العكس. تقرير صادر عن “معهد واشنطن” يؤكد أن إيران استغلت وجود داعش كذريعة للتمدد في العراق وسوريا، ولشرعنة تدخلها العسكري وتهجير العرب السنّة تحت لافتة “محاربة الإرهاب”.
ويشدد التقرير على أن إيران لا يمكن أن تكون شريكًا في محاربة داعش، لأنها استفادت من وجود التنظيم لبناء الهلال الشيعي على أنقاض المدن السنّية.
مؤسسة البحث والتطوير الأمريكية المرموقة (RAND) نشرت تقريرًا صادمًا باللغة العربية، أشارت فيه إلى أن العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، وأن طهران قدّمت ملاذًا آمنًا لقيادات التنظيم بعد هجمات 11 سبتمبر، بما فيهم أفراد من عائلة أسامة بن لادن.
ويؤكد التقرير أن إيران كانت جزءًا من شبكة التمويل واللوجستيات التي دعمت القاعدة في سنواتها الذهبية، وأن علاقتها بهم استمرت رغم التباين المذهبي، لأن هدفها الحقيقي هو تشويه صورة السنّة وإضعافهم أمام العالم.
في تقرير لـ”العربية” (2013)، تم تسليط الضوء على الاختراق الإيراني المبكر للتنظيمات “الجهادية” في سوريا منذ انطلاق الثورة، وتحديدًا كيفية ظهور داعش المفاجئ وسيطرته على مناطق كانت سابقًا تحت يد المعارضة السورية.
ويؤكد التحليل أن إيران استخدمت داعش كفزاعة لتدمير الثورة السورية، وتحويل مشهد “الحرية” إلى مشهد “الإرهاب”، لتبرير دعمها المطلق لبشار الأسد وارتكاب المجازر ضد الشعب السوري السني.
في مقطع فيديو للقاء تلفزيوني موثق، يؤكد وزير العدل العراقي الأسبق حسن الشمري – وهو من الطائفة الشيعية – أن تهريب مقاتلي تنظيم القاعدة من السجون العراقية لم يكن مجرد خرق أمني، بل تم بتواطؤ واضح من حكومة نوري المالكي وأجهزته الأمنية الشيعية.
الهدف كان إطلاق يد هؤلاء الخوارج لتأسيس تنظيم داعش، وإرسالهم إلى سوريا لدعم نظام بشار الأسد ضد شعبه الثائر.
وتفضح هذه الشهادة اللعبة الطائفية القذرة التي لعبها النظام الإيراني وأذرعه في العراق، من خلال تفريخ جماعات الخوارج المتسترة بعباءة الإسلام وتصديرها إلى سوريا تحت غطاء “الجهاد”، بينما الهدف الحقيقي كان وأد الثورة وإعادة تثبيت النظام الطائفي في دمشق.
تأكيدات برلمانية شيعية: إيران وسوريا وراء صناعة داعش
لم تتوقف الشهادات عند الوزراء، بل وصلت إلى البرلمان. ففي لقاء فيديو موثق، أكّد النائب السابق بهاء الأعرجي – وهو أيضًا من الطائفة الشيعية – أن إيران والنظام السوري وأذرعهم في العراق كانوا وراء تأسيس داعش.
وبحسب الأعرجي، فإن هدف صناعة هذا التنظيم الخارجي هو تشويه الثورة السورية، واستخدامه ذريعة لتبرير دعم الأسد في سحق شعبه، وتخريب صورة الثورة وتحويلها إلى ساحة فوضى تخدم مصالح طهران.
“الدماء السنّية”… أرخص وقود للعبة إيران
في تقرير لوكالة الأناضول (2015)، تم توثيق كيف أن داعش استهدف أبناء السنّة بالدرجة الأولى: من رجال الجيش والشرطة في العراق، إلى عشائر الأنبار والموصل وتكريت.
والسؤال المشروع: لماذا لم يُقتل جندي إيراني واحد على يد داعش؟ ولماذا لم تُستهدف طهران أو قم أو كربلاء، بينما أُبيدت مدن سنية كاملة في العراق وسوريا؟
في مقال منشور بمركز “رؤية”، يُطرح تحليل خطير يُفيد بأن إيران تعمدت صناعة تنظيمات الخوارج المتطرفين لضرب المدن السنّية، وتوفير مبرر دولي لاحتلالها تحت شعار “محاربة الإرهاب”.
ويؤكد التحليل أن طهران استخدمت القاعدة ثم داعش لتدمير المجتمع السنّي في العراق مدينة تلو الأخرى، بدءًا من الفلوجة والموصل، مرورًا بتكريت، وصولًا إلى التهجير والتغيير الديمغرافي.
من يراجع هذه التقارير يدرك بوضوح أن إيران ليست فقط راعية للميليشيات الشيعية، بل شريك خفي في تمويل وتوظيف تنظيمات الخوارج الإرهابية، التي دمرت المجتمعات السنّية في العراق وسوريا.
ورغم كل هذا، ما زال بعض الجهلة يظنون أن طهران “تحارب الإرهاب”، بينما هي التي تغذّيه في الخفاء لتبرر جرائمها في العلن.
إن إيران هي الصانع الحقيقي لداعش والقاعدة، وربما تكون أكثر خطرًا منهما، لأنها تلعب على كل الحبال، وتقتل الجميع باسم “المقاومة” و”محاربة الإرهاب”.