مقدمة
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة على يد الاستعمار البريطاني عام 1921، لم تشهد شعوب العراق الحديث استقراراً سياسياً أو اجتماعياً مستداماً. فقد تأسس هذا الكيان كدولة مركزية مصطنعة جُمِعت من ثلاث أقاليم مختلفة فيها قوميات ومذاهب دينية متعددة تحت سلطة مركزية مفروضة، دون الاعتراف بالخصوصيات التاريخية والاجتماعية لكل مكون. وبعد مرور أكثر من قرن على هذا التأسيس، يتضح أن النظام المركزي قد فشل في إدارة التنوع، وأن الفيدرالية، بوصفها خياراً دستورياً منصوصاً عليه في المواد (116–121) من الدستور العراقي النافذ لعام 2005، تمثل الحل الأمثل لإعادة صياغة العلاقة بين المكونات على أسس قانونية وديمقراطية.
إخفاقات الدولة المركزية عبر التاريخ
منذ البداية، تم فرض نظام ملكي على العراق من خلال تعيين ملك أجنبي لا يمت بصلة اجتماعية أو تاريخية بالأرض. ورغم ذلك، لم تهدأ موجات الانقلابات والثورات:
الانقلابات العسكرية
  • 1933 انقلاب بكر صدقي
  • 1941 انقلاب رشيد عالي الكيلاني
  • 1958 انقلاب 14 تموز شيوعي (عبد الكريم قاسم)
  • 1963 انقلاب 8 شباط (البعث الأول)
  • 1963 انقلاب 18 تشرين الثاني القوميون (عبد السلام عارف)
  • 1968 انقلاب 17 تموز (البعث الثاني)
  • 1973 محاولة انقلاب ناظم كزار (فاشلة)
  • محاولات انقلابية متعددة 1970–1991 (فاشلة)
الانتفاضات الكردية
  • 1931-1922 ثورة الشيخ محمود الحفيد
  • 1932-1931 حركة الشيخ أحمد بارزاني
  • 1945-1943 ثورة ملا مصطفى البارزاني
  • 1970-1961 الثورة الكردية ضد بغداد
  • 1975-1974 الحرب الكردية–العراقية الثانية
  • 1991 الانتفاضة الكردية الكبرى
الانتفاضات الشيعية
  • 1977 انتفاضة صفر
  • 1982-1980 انتفاضة بعد مقتل محمد باقر الصدر
  • 1991 انتفاضة شعبان
الانتفاضات السنية
  • 1959 انتفاضة الموصل
  • 1996-1995 انتفاضة الأنبار
  • 2014-2013 انتفاضة المحافظات والمناطق السنية
هذه الانقلابات تعكس فشل الدولة المركزية في بناء مؤسسات مستقرة، إذ تحولت السلطة إلى أداة صراع بين النخب الحاكمة بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً لشعوب العراق.
الحروب والصراعات الإقليمية
اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) كان نتيجة مباشرة للتناقضات العقائدية والمذهبية. فقد سعت إيران إلى تصدير ثورة الخميني الشيعية إلى العراق، وهو ما أثار مخاوف عميقة لدى المكون السني الذي شعر بتهديد وجودي. في المقابل، وجد جزء من المكون الشيعي نفسه متعاطفاً مع إيران بحكم الروابط المذهبية.
انتهت الحرب دون تحقيق أي استقرار، بل أضعفت مؤسسات الدولة، ومهدت لاحقاً لحرب عام 2003 التي أسقطت نظام صدام حسين وأوصلت القوى الشيعية المدعومة من إيران إلى السلطة، لتبدأ مرحلة جديدة من الحكم الطائفي.
النظام الطائفي ما بعد 2003
منذ 2003، لم تنتج الانتخابات أغلبية سياسية حقيقية، بل قامت الأحزاب الشيعية بالتلاعب بالنصوص الدستورية وفقاً لمصالحها. ففي بعض الدورات الانتخابية، اعتبرت أن “القائمة الفائزة” هي المخولة بتشكيل الحكومة، بينما في دورات أخرى فسرت المادة (76) من الدستور على أن “الكتلة الأكبر داخل البرلمان بعد الانتخابات” هي صاحبة الحق بالتشكيل. هذا التفسير المتبدل أفرغ النص الدستوري من محتواه القانوني، وأدى إلى استمرار هيمنة أحزاب محددة مدعومة بميليشيات ولائها لإيران.
أزمة المشاركة الانتخابية
الأزمة لم تتوقف عند التلاعب الدستوري، بل تجلت أيضاً في انعدام الثقة الشعبية. ففي الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2021، قاطع أكثر من 80% من شعوب العراق العملية الانتخابية، وهو ما يمثل دليلاً إضافياً على أن النظام المركزي الطائفي فقد شرعيته الاجتماعية والسياسية. إن حكومة لا يشارك في انتخابها سوى أقلية ضئيلة من الناخبين لا يمكن اعتبارها ممثلة شرعياً لتعددية شعوب العراق.
 الفيدرالية كخيار دستوري وواقعي
الدستور العراقي لعام 2005 نص بوضوح في المادة (116) على أن “يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية”. كما أتاح في المادة (117/أولاً) الاعتراف بإقليم كردستان وسلطاته القائمة. وفي المادة (118) نص على آلية إنشاء أقاليم جديدة بقانون يُسن بالأغلبية البسيطة في مجلس النواب. كذلك جاء قانون رقم (13) لسنة 2008 – قانون تنفيذ أحكام المادة (119) من الدستور ليضع تفاصيل الإجراءات الخاصة بإنشاء الأقاليم.
بناءً على هذه النصوص، فإن الفيدرالية ليست خياراً سياسياً فحسب، بل هي حق دستوري أصيل يتيح لمكونات العراق أن تدير شؤونها بحرية ضمن إطار الدولة الاتحادية. وتجربة إقليم كردستان أثبتت أن النظام الفيدرالي أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار مقارنة بالحكومة المركزية في العاصمة.
دور الولايات المتحدة والمجتمع الدولي
لا تزال اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008 بين العراق والولايات المتحدة نافذة. ومن مسؤولية الفاعلين الدوليين، وفي مقدمتهم واشنطن، دعم تنفيذ الدستور العراقي بصورة صحيحة، بما يشمل تفعيل المواد المتعلقة بالفيدرالية. إن تطبيق الدستور بحياد يعيد ضبط التوازن ليس في العراق فقط، بل في المنطقة بأسرها، إذ أن استمرار المركزية الطائفية يفاقم الأزمات الأمنية ويفتح المجال أمام التدخلات الخارجية.
إعادة بناء الثقة بين المكونات
إقامة الأقاليم على أسس دستورية ستؤدي إلى ترميم الجسور بين المكونات. فسوف يدرك المكون الشيعي أن المكون السني لا يسعى إلى السيطرة أو الانتقام، بل إلى استعادة أراضيه وحقوقه الدستورية، وعودة النازحين والمهجرين، وكشف مصير المغيبين قسرا. هذا الإدراك قد يعزز موقف القوى الشيعية المعتدلة والشباب الشيعي الساعي إلى التحرر من الهيمنة الإيرانية، ويفتح المجال لشراكة حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل خصوصا وان المجتمع الشيعي يعد الأكثر تشددا دينيا والأقل تعليما.
في الختام
بعد مرور أكثر من قرن على تأسيس الدولة، أثبتت التجربة أن النظام المركزي في العراق فشل في بناء دولة مستقرة وعادلة لشعوبه. الحروب، الانقلابات، الاستبداد، والفساد جميعها نتاج مباشر لهذا النظام. إن الفيدرالية، بوصفها خياراً دستورياً وقانونياً، تمثل السبيل الوحيد لإنقاذ العراق من الانهيار وتحويل تنوعه إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون سبباً للصراع وسبب لإعادة بنائه على أسس صحيحة تكفل الأمن والاستقرار لجميع شعوبه.
المقال لكاتبة: علي النُعيمي (علي عاشور)

لماذا جبهة الاستقلال

جبهة الاستقلال وجدت مع مشروع متكامل هدفة اقامة دولة متزنة توقف المد الفارسي العراقي الايراني المتطرف المتغلغل في اراضي إقليم الرافدين.

علي عاشور ( النُعيمي) ~